الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
227
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتنكير بَناتٍ لأن التنكير هو الأصل في أسماء الأجناس . وأما تعريف بِالْبَنِينَ باللام فهو تعريف الجنس المتقدم في قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ في سورة الفاتحة [ 2 ] . والمقصود منه هنا الإشارة إلى المعروف عندهم المتنافس في وجوده لديهم وتقدم عند قوله يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ في سورة الشورى [ 49 ] . وتقديم البنات في الذكر على البنين لأن ذكرهن أهم هنا إذ هو الغرض المسوق له الكلام بخلاف مقام قوله : أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً في سورة الإسراء [ 40 ] . ولما في التقديم من الردّ على المشركين في تحقيرهم البنات وتطيّرهم منهن مثل ما تقدم في سورة الشورى . والإصفاء : إعطاء الصفوة ، وهي الخيار من شيء . وجملة وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ يجوز أن تكون في موضع الحال من ضمير النصب في و أَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ، ومقتضى الظاهر أن يؤتى بضمير الخطاب في قوله : أَحَدُهُمْ فعدل عن ضمير الخطاب إلى ضمير الغيبة على طريق الالتفات ليكونوا محكيا حالهم إلى غيرهم تعجيبا من فساد مقالتهم وتشنيعا بها إذ نسبوا للّه بنات دون الذّكور وهو نقص ، وكانوا ممن يكره البنات ويحقرهنّ فنسبتها إلى اللّه مفض إلى الاستخفاف بجانب الإلهية . والمعنى : أأتّخذ مما يخلق بنات اللّه وأصفاكم بالبنين في حال أنكم إذا بشّر أحدكم بما ضربه للرحمن مثلا ظلّ وجهه مسودّا . ويجوز أن تكون اعتراضا بين جملة أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وجملة أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ [ الزخرف : 18 ] . واستعمال البشارة هنا تهكّم بهم كقوله : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * [ الانشقاق : 2 ] لأن البشارة إعلام بحصول أمر مسرّ . و ( ما ) في قوله : بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا موصولة ، أي بشر بالجنس الذي ضربه ، أي جعله مثلا وشبها للّه في الإلهية ، وإذ جعلوا جنس الأنثى جزءا للّه ، أي منفصلا منه فالمبشّر به جنس الأنثى ، والجنس لا يتعين . فلا حاجة إلى تقدير بشر بمثل ما ضربه للرحمن مثلا . والمثل : الشبيه . والضرب : الجعل والصنع ، ومنه ضرب الدينار ، وقولهم : ضربة لازب ، فما صدق